العيني
141
عمدة القاري
مطابقته للترجمة من حيث إن المرأة لما قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قد وهبت لك نفسي ، كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه أو ممن رأى تزويجها منه ، وقد جاء في كتاب النكاح أنها جعلت أمرها إليه صريحا ، وهو طريق من طرق حديث الباب ، وبهذا يجاب عما قاله الداودي أنه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استأذنها ، ولا أنها وكلته . وأبو حازم ، بالحاء المهملة وبالزاي : اسمه سلمة بن دينار الأعرج ، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد وفي النكاح عن عبد الله بن يوسف أيضا . وأخرجه أبو داود في النكاح عن القعنبي . وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي . وأخرجه النسائي فيه وفي فضائل القرآن عن هارون بن عبد الله . ذكر معناه : قوله : ( جاءت امرأة ) ، اختلف في اسمها ، فقيل : هي خولة بنت حكيم ، وقيل : هي أم شريك الأزدية . وقيل ميمونة ، ذكر هذه الأقوال أبو القاسم بن بشكوال في كتاب ( المبهمات ) : والصحيح أنها خولة أو أم شريك ، لأنهما ، وإن كانتا ممن وهبت نفسهما للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لم يتزوج بهما ، وأما ميمونة فإنها إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح أن تكون هذه ، لأن هذه قد زوجها لغيره ، وقد روى البيهقي من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس . قال : لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له ، لأنه لم يقبلهن وإن كن حلالاً . قوله : ( وهبت لك من نفسي ) ويروى : ( وهبت لك نفسي ، بدون كلمة : من . قال النووي : قول الفقهاء : وهبت من فلان كذا ، مما ينكر عليهم . قلت : لا وجه للإنكار لأن : من ، تجيء زائدة في الموجب ، وهي جائزة عند الأخفش والكوفيين . قوله : ( فقال رجل : زوجنيها ) ، ولفظه في النكاح : ( فقام رجل من أصحابه فقال : يا رسول الله ! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ) . قوله : ( قد زوجناكها بما معك من القرآن ) . واختلفت الروايات في هذه اللفظة ، ففي رواية مسلم وأبي داود والترمذي : ( زوجتكها بما معك من القرآن ) ، وفي رواية للبخاري : ملكتكها ، وفي رواية له : أملكناكها ، وفي رواية أبي ذر الهروي : أمكناكها ، وفي أكثر روايات ( الموطأ ) : أنكحتكها ، وكذا في رواية للبخاري ، وفي رواية لمسلم في أكثر نسخه : ملكتكها ، على بناء المجهول ، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين لمسلم ، وقال الدارقطني : رواية من روى : ملكتكها ، وهم ، قال : الصواب رواية من روى : زوجتكها ، قال : وهم أكثر وأحفظ . وقال النووي : ويحتمل صحة اللفظين ، ويكون جرى لفظ التزويج أولاً فملكها ، ثم قال له : إذهب فقد ملكتكها بالتزويج السابق . قلت : هذا هو الوجه ، وقد ذكرنا أن البخاري أخرج هذا الحديث في التوحيد ، ولكنه مختصر جدا . وأخرجه في كتاب النكاح في : باب تزويج المعسر ، ولفظه : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ! جئت أهب لك نفسي . قال : فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصعد النظر إليها وصوبه ، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقضِ فيها شيئا ، جلست ، فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها . قال : وهل عندك من شيء ؟ قال : لا ، والله يا رسول الله ! فقال : إذهب إلى أهلك فانظر . هل تجد شيئا ؟ فذهب ثم رجع ، فقال : لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنظر ولو خاتما من حديد ، ولكن هذا إزاري . قال : ماله رادء فلها نصفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء ؟ فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه ، قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا ، فأمر به ، فدعي ، فلما جاء قال له : ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وكذا ، عددها ، قال : تقرؤهن عن ظهر قلبك ؟ قال : نعم ، قال : إذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن . وإنما سقنا هذا ههنا لأنه كالشرح لحديث الباب يوضح ما فيه من الأحكام . ذكر ما يستفاد منه : وهو يشتمل على أحكام : الأول فيه : جواز هبة المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من خصائصه ، لقوله تعالى : * ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) * ( الأحزاب : : 05 ) . الآية . . . قال ابن القاسم عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو عمر : أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يطأ فرجا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق . الثاني فيه : أنه صلى الله عليه وسلم يجوز له استباحة من شاء ممن وهبت نفسها له بغير صداق ، وهذا أيضا من الخصائص . الثالث : استدل به أبو حنيفة والثوري وأبو يوسف ومحمد والحسن بن حي ، على أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة ، فإن سمى مهرا لزمه ، وإن لم يسم فلها مهر المثل ؟ قالوا : والذي خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرى البضع من العوض لا النكاح ، بلفظ الهبة : وعن الشافعي